السيد كمال الحيدري
19
معرفة الله
الإخلاد إلى الأرض أدّى إلى طمس الفطرة وتضييع آثارها المعرفية ، وتغييب علمه الأوّل البسيط ؛ ولذلك كان مقتضى الحال وجود نوع هداية أخرى تُسهم فعليّاً في رسم وتحديد المصداق الحقّ ، وهذا النوع هو المعبَّر عنه بالهداية التشريعية ، وهنالك هداية ثالثة وهي الهداية التكوينية سوف يأتي الحديث عنها . « 1 » وعلى أيّ حال ، فإنّ الفطرة الأولى هي نصيب الخلق أجمعين ؛ ما يعني أنّ المراتب المعرفية الثلاث قد فُطر عليها الخلق بأسره ، ولكن لا ريب في أنّ الإنسان بنكتة أشرفيّته على سائر الموجودات الإمكانية له الصدارة والتقدّم في أشرفية الكيفيّة المخصوصة التي فُطر عليها على سائر الموجودات الأخرى ، وهذا التقدّم ليس باعتبار مصاديقه جميعاً وإنّما باعتبار حقيقة الإنسان وإلّا فهناك أعداد كثيرة ممّن اندرجوا تحت مفهوم الإنسان وهم أضلّ من الأنعام سبيلًا . إنّ امتيازات الإنسان على سائر الخلق كثيرة جدّاً لعلّ من أهمّها الميل إلى الإبداع وحبّ الجمال والعشق وغير ذلك . وهنا ينبغي أن نسأل : إذا كان الخلق جميعاً قد فُطروا على الإقرار بوجود الله ووحدانيّته ومعرفته فلِمَ نرى حالات الكفر والشرك والعناد والجحود في هذه المراتب الثلاث ؟ والجواب : هو أنّ الخلق لو تُركوا على ما فُطروا عليه لما حادوا قيد أنملة عن مراتبهم المعرفية الثلاث ، ولكنّ الكدورة والشوب والتربية غير الصالحة والتعصّب الأعمى والانغماس بالمادّيات والاشتغال بالعادات
--> ( 1 ) في أبحاث الطريق السادس ( الإمام ) من طرق معرفة الله تعالى .